السيد محمد الصدر
295
منة المنان في الدفاع عن القرآن
لكن وحدة السياق في حدود فهمي منتفيةٌ هنا ؛ لأكثر من وجهٍ : أوّلًا : البعد اللفظي بينهما ، فهما ليستا متقاربتين حتّى ينعقد فيهما سياقٌ واحدٌ . ثانياً : أنَّ كلّ واحدٍ من اللفظين مذكورٌ في صفة أشخاصٍ غير الأشخاص المذكورين في اللفظ الآخر ، فالأُولى قوله : إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ والثانية قوله : وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فكلّ بلادٍ منسوبةٌ إلى مجموعةٍ غير المجموعة الأُخرى ، ومن هذه الناحية ليس هناك وحدة سياقٍ ، ولا أقلّ من الشكّ في تحقّقها ، والأصل عدمها بطبيعة الحال . وحينئذٍ لا يلزم بالضرورة أن نقول : إنَّ الألف واللام في كلا اللفظين للجنس ، بل قد يكونان معاً متشابهين ، وقد لا يكونان كذلك ، فمثلًا البلاد الأُولى للجنس حسب المشهور ، ومعناها : التي لم يخلق مثلها على وجه الأرض . وأمّا قوله في الثانية : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ففرعون لم يطغَ على جميع وجه الأرض ، بل طغى في المنطقة التي يحكمها فقط . * * * * قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ : قال في ( الميزان ) : المرصاد المكان الذي يُرصد منه ويُرقب ، وكونه تعالى على المرصاد استعارةٌ تمثيليّةٌ شبّه فيها حفظه تعالى أعمال عباده بمن يقعد على المرصاد . . الخ « 1 » . أقول : يعني : علمه بأعمال عباده ، ولا يأتي الحفظ بهذا المعنى صفةً لله سبحانه ، وهو بالمعنى الآخر غير مقصودٍ جزماً .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 281 : 20 ، تفسير سورة الفجر .